الجاحظ
137
الحيوان
743 - [ حديث أفليمون عن نفع الحمام ] وقال أفليمون صاحب الفراسة ، لصاحبه : وأنا محدّثك عن نفع الحمام بحديث يزيدك رغبة فيها : وذلك أنّ ملكين طلب أحدهما ملك صاحبه ، وكان المطلوب أكثر مالا وأقلّ رجالا ، وأخصب بلادا ، وكانت بينهما مسافة من الأرض بعيدة ، فلما بلغه ذلك دعا خاصّته فشاورهم في أمره وشكا إليهم خوفه على ملكه ، فقال له بعضهم : دامت لك أيّها الملك السلامة ، ووقيت المكروه ! إنّ الذي تاقت له نفسك قد يحتال له باليسير من الطمع ، وليس من شأن العاقل التّغرير ، وليس بعد المناجزة بقيّة ، والمناجز لا يدري لمن تكون الغلبة ، والتمسّك بالثقة خير من الإقدام على الغرر . وقال بعضهم : دام لك العزّ ، ومدّ لك في البقاء ! ليس في الذّلّ درك ولا في الرّضا بالضيم بقيّة ، فالرّأي اتخاذ الحصون وإذكاء العيون ، والاستعداد للقتال ؛ فإنّ الموت في عزّ خير من الحياة في ذلّ ! وقال بعضهم : وقيت وكفيت ، وأعطيت فضل المزيد ! الرّأي طلب المصاهرة له والخطبة إليه ؛ فإنّ الصهر سبب ألفة تقع به الحرمة ، وتثبت به المودّة ، ويحلّ به صاحبه المحلّ الأدنى . ومن حلّ من صاحبه هذا المحلّ لم يخلّه مما عراه ، ولم يمتنع من مناوأة من ناواه . فالتمس خلطته ؛ فإنّه ليس بعد الخلطة عداوة ، ولا مع الشّركة مباينة ! فقال لهم الملك : كلّ قد أشار برأي ، ولكلّ مدّة ، وأنا ناظر في قولكم ، وباللّه العصمة ، وبشكره تتمّ النعمة . وأظهر الخطبة إلى الملك الذي فوقه ، وأرسل رسلا ، وأهدى هدايا ، وأمرهم بمصانعة جميع من يصل إليه ، ودسّ رجالا من ثقاته ، وأمرهم باتّخاذ الحمام في بلاده وتوطينهنّ ، واتخذ أيضا عند نفسه مثلهنّ ، فرفّعهن من غاية إلى غاية . فجعل هؤلاء يرسلون من بلاد صاحبهم ، وجعل من عند الملك يرسلون من بلاد الملك ، وأمرهم بمكاتبته بخبر كلّ يوم ، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام . فصار لا يخفى عليه شيء من أمره . وأطمعه الملك في التزويج واستفرده [ 1 ] وطاوله ، وتابع بين الهدايا ، ودسّ لحرسه رجالا يلاطفونهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه معهم . فلمّا كتب أصحابه إليه بغرّتهم وصل الخبر إليه من يومه ، فسار إليه في جند
--> [ 1 ] أفرده : عزله ، وإليه رسولا : جهزه « القاموس : فرد » .